أحمد بن علي القلقشندي

115

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أعباؤها . ونشر كتابك من محاسنك ما انطوى ، ووردنا منه منهلا أروى وارده وارتوى ؛ ووقفنا منه على أثر فضل اشتمل على عين الكرم واحتوى ، ووفقنا وإياه من الحمد ما لا نخلفه نحن ولا هو مكانا سوى ( 1 ) ؛ فاقتضانا مزيدا في رفع قدره ، واختصاصه من الإنعام بكلّ غريب الموقع ندره ، وأصرنا كتابه إلى مستقرّ كاتبه من قلب الودّ وصدره ؛ وكيف لا يكون ذلك وقد اشمخرّت لبيته الأنساب ، وخرّت الأنصاب ، وسجدت الرّقاب ، وردّت له بعد ما توارت بالحجاب ، وشهد بفضل توقيعهم الحرب وبفضل ليلهم المحراب . فأمّا ما أشار إليه من الشّكر على ما سيّر من الغلَّات التي كان الوعد بها علينا نذرا ، وروّحنا بإرسالها قلبا وشرحنا بتسييرها صدرا ؛ وأنّها حلَّت ربقة الجدب وفكَّتها ، وجلت هبوة القحط وكفّتها ؛ وهوّنت مصاعب المساغب ، وخلفت سواحب السحائب ، وأطفأت - وللَّه الحمد - بوار ( 2 ) النّوائب ، فقد سررنا بحسنتنا جعله اللَّه ممن تسرّه الحسنة ، وقد نبّهنا من سنتنا لأن نستقبل بالحمد لولي السنة ؛ وقد قوّى النية وقوّمها ، واستزاد لهم بلسان الشكر الفصيح ، وتناول لهم بباع التلطَّف الفسيح ، وألقح لهم سحائب محلَّه منها محلّ ملقحها من الرّيح ؛ واقتضى ما يعرضه أن خرج الأمر بأن يضاعف المحمول في كل عام ، ولا يخصّ به خاصّ دون عام ؛ وأمرنا أن يوفّر جلب الجلَّاب ، وتوقر ظهور الرّكاب ، ليجمع للحرم الشريف بين برّ البر والبحر ، وبين حمل البطن والظَّهر ؛ فتظلّ السنة ودودا ولودا ، ويشاهد المحلّ الشريف وقد نأى عنه المحل شريدا ؛ وتحطَّ القلوع عما يحطَّ عنه أمثالها من السحائب ، وتستريح الأنفس اللواغب ( 3 ) ، فأما ما ألقاه إلى رسوله ، فقد أسمع ما أسنده إليه ، وأعيد بما يعيده عليه ؛ وقد تكاثرت بولاء الشريف الأشهاد ، فغني عن الاستشهاد ، وأغنته الحظوة بجميل رأينا عما نأى أخذه لشفعة العطاء بل لشفاعة الاجتهاد ، إن شاء اللَّه تعالى .

--> ( 1 ) السّوى : العدل . وسوى الشيء : وسطه . ( 2 ) لعله : « أوار » . ( 3 ) لغب لغبا ولغوبا فهو لاغب وهن لواغب : تعب وأعيا . يقال : ألغبه السير : أتعبه .